عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

258

اللباب في علوم الكتاب

مختصّ بأيّام معدودات ، فلو جعله أبدا ، أو في أكثر الأوقات ، لحصلت المشقّة العظيمة ، ثمّ بيّن رابعا : أنه خصّه من الأوقات بالشّهر الذي أنزل فيه القرآن ؛ لكونه أشرف الشّهور ؛ بسبب هذه الفضيلة ؛ ثم بيّن خامسا : إزالة المشقّة في إلزامه ، فأباح تأخيره لمن به مرض ، أو سفر إلى أن يصير إلى الرّفاهية والسّكون ، فراعى سبحانه وتعالى في إيجاب هذا الصّوم هذه الوجوه من الرحمة ، فله الحمد على نعمه . قوله : « فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً » : فيه معنى الشّرط والجزاء ، أي : من يكن مريضا ، أو مسافرا ، فأفطر ، فليقض ، وإذا قدّرت فيه الشّرط ، كان المراد بقوله : كان الاستقبال لا الماضي ؛ كما تقول : من أتاني ، أتيته . قوله : « أَوْ عَلى سَفَرٍ » في محلّ نصب ؛ عطفا على خبر كان ، و « أو » هنا للتّنويع ، وعدل عن اسم الفاعل ، فلم يقل : أو مسافرا ، إشعارا بالاستعلاء على السّفر ، لما فيه من الاختيار للسفر ؛ بخلاف المرض ، فإنه قهريّ ، فصل في المرض المبيح للفطر اختلفوا في المرض المبيح للفطر ؛ فقال الحسن ، وابن سيرين : أيّ مرض كان ، وأيّ سفر كان « 1 » ؛ تنزيلا للّفظ المطلق على أقلّ الأحوال ، وروي أنّهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان ، وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه « 2 » ، وقال الأصمّ - رحمه اللّه - : هذه الرخصة مختصّة بالمرض الّذي لو صام فيه ، لوقع في مشقّة ، ونزّل اللّفظ المطلق على أكمل أحواله . وقال أكثر الفقهاء : المرض المبيح للفطر الّذي يؤدّي إلى ضرر في النفس ، أو زيادة في العلّة . قالوا : وكيف يمكن أن يقال : كلّ مرض مرخّص ، مع علمنا أنّ في الأمراض ما ينقصه الصّوم « 3 » .

--> ( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 5 / 63 ) عن الحسن وابن سيرين . ( 2 ) ذكره الفخر الرازي في « تفسيره » ( 5 / 63 ) . ( 3 ) من شروط وجوب الصوم : القدرة على الصوم حسّا أو شرعا ، فلا يجب صوم رمضان على العاجز عن الصوم ، ثمّ إنّ العجز عن الصوم قسمان : شرعي ، وحسّي . فالعجز الشرعيّ ما كان سببه الحيض والنفاس ، فلا يجب صوم رمضان على الحائض والنفساء ، وبل يحرم عليهما بالإجماع . فإذا طهرت الحائض أو النفساء ، وجب عليهما القضاء ؛ دليل ذلك ما روي عن السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - ؛ أنها قالت في الحيض كنّا نحيض عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - ثمّ نطهر فنؤمر بقضاء الصّوم ، ولا نؤمر بقضاء الصّلاة ، فوجب القضاء على الحائض بهذا الخبر ؛ ويقاس عليها النفساء ؛ لأنها في معناها . ثمّ إن طهرتا في أثناء نهار رمضان ، استحبّ لهما إمساك بقية النهار ، ولا يلزمهما ذلك . -